السبت، 5 يوليو، 2014

حجر رشيد واللغة المصرية القديمة

 
 

حجر رشيد واللغة المصرية القديمة

 

إن الدارس للحضارة المصرية لابد أن يلم بمفتاح فك رموز اللغة المصرية القديمة من خلال حجر رشيد. والحديث عن هذا الأثر الهام يتطلب منا أن نلم بأربعة عناصر هي الحجر والمكان والزمان والإنسان.

أما الحجر فهو من البازلت الأسود، وأما المكان فهو رشيد إحدى مدن محافظة البحيرة، وأما الزمان فهو196ق.م، 1799م. وأما التاريخ الأول فهو تاريخ تسجيل النص على الحجر في عهد الملك بطليموس الخامس، وأما التاريخ الثاني فهو عام الكشف عن هذا الحجر من قبل جنود الحملة الفرنسية أثناء قيامهم بحفر خندق حول قلعة سان جوليان بالقرب من رشيد، وأما الإنسان فهو العالم الفرنسي الشاب شامبليون.  

من حسن حظ الحضارة المصرية أن كشف عن حجر رشيد عام 1799م، ذلك الحجر الذي ضم مفاتيح اللغة المصرية القديمة والذي لولاه لظلت الحضارة المصرية غامضة لا ندري من أمرها شيئاً لأننا لا نستطيع أن نقرأ الكتابات التي دونها المصريون القدماء على آثارهم. فقد حصل الشاب الفرنسي شامبليون، كما حصل غيره من الباحثين، على نسخة من الحجر وعكف على دراسته مبدياً اهتماماً شديداً بالخط الهيروغليفي ومعتمداً على خبرته الطويلة في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغات القديمة بوجه عام.

حجر رشيد المحفوظ حالياً في المتحف البريطاني من البازلت الأسود غير منتظم الشكل، ارتفاعه 113سم وعرضه 75سم وسمكه 27.5سم وقد فقدت أجزاء منه في أعلاه وأسفله. ويتضمن الحجر من بين ما يتضمن مرسوماً صدر حوالي عام 196ق.م من قبل الكهنة المجتمعين في مدينة منف (ميت رهينة – مركز البدر شين – محافظة الجيزة) يشكرون فيه الملك بطليموس الخامس لقيامه بوقف الأوقاف على المعابد وإعفاء الكهنة من بعض الالتزامات.  

وقد سجل هذا المرسوم بخطوط ثلاثة هي حسب ترتيب كتابتها من أعلى إلى أسفل: الهيروغليفية، والديموطيقية واليونانية، وقد فقد الجزء الأكبر من الخط الهيروغليفي وجزء بسيط من النص اليوناني.  لقد أراد الكهنة أن يسجلوا هذا العرفان بالفضل للملك البطلمي بالخط الرسمي وهو الخط الهيروغليفي، وخط الحياة اليومية السائد في هذه الفترة وهو الخط الديموطيقي، ثم بالخط اليوناني وهو الخط الذي تكتب به لغة البطالمة الذين كانوا يحتلون مصر. وكان المكتشفون للحجر قد اقترحوا أن الحجر يتضمن نصًّا واحداً بخطوط ثلاثة مختلفة، واتضح فيما بعد أن اقتراحهم كان صائباً وبعد نقل الحجر إلى القاهرة أمر نابليون بإعداد عدة نسخ منه لتكون في متناول المهتمين في أوروبا بوجه عام وفي فرنسا بوجه خاص بالحضارة المصرية. وكان الحجر قد وصل إلى بريطانيا عام 1802بمقتضى اتفاقية أبرمت بين إنجلترا وفرنسا تسلمت إنجلترا بمقتضاها الحجر وآثارًا أخرى. وبدأ الباحثون بترجمة النص اليوناني، وأبدى الباحثان سلفستر دي ساسي وأكربلاد اهتمامًا خاصًّا بالخط الديموطيقي.   

وجاءت أولى الخطوات الهامة في مجال الخط الهيروغليفي على يد العلم الإنجليزي توماس يونج الذي حصل على نسخة من حجر رشيد عام 1814م وافترض أن الخراطيش تحتوي على أسماء ملكية واعتمد على نصوص أخرى مشابهة كالمسلة التي عثر عليها في فيلة عام 1815م والتي تضمنت نصًّا باليونانية وآخر بالهيروغليفية. ورغم كل الجهود السابقة في فك رموز حجر رشيد إلا أن الفضل الأكبر يرجع للعالم الفرنسي "جان فرانسوا شامبليون" (1790-1832).

 كان على شامبليون أن تواجهه مجموعة من الافتراضات أولها: هل الخطوط الثلاثة (الهيروغليفية – الديموطيقية – اليونانية) تمثل ثلاثة نصوص مختلفة من حيث المضمون أم أنها تمثل موضوعاً واحداً ولكنه كتب بالخط الرسمي (الهيروغليفي)، وخط الحياة اليومية السائد في هذه الفترة (الديموطيقي) ثم بلغة اليونانيين الذين كانوا يحتلون مصر.  

 وثانيها: يتعلق ببنية اللغة المصرية، هل تقوم الكتابة على أبجدية أي مجموعة من الحروف كاللغات الحديثة مثلاً؟ أم أنها كتبت بعلامات تراوحت قيمتها الصوتية بين حرف أو حرفين أو ثلاثة أو ربما أكثر.

وثالثها: هل عرفت هذه الكتابة حروف الحركة؟ وهل العلامات تصويرية أم صوتية؟ وما هي الأدوات التي استخدمها المصري لتحديد معنى المفردات؟ وهل استخدمت المخصصات والعلامات التفسيرية ؟..إلخ.

لابد أن هذه الافتراضات والتساؤلات وغيرها كانت تدور في ذهن شامبليون وهو يتعامل مع الحجر، ولابد أنه قد استرعى انتباهه أن هناك أكثر من خط للغة المصرية القديمة، فضلاً عن تساؤلات منها. هل هناك من علاقة خطية بين الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية؟ وهل هناك من علاقة لغوية في مجال القواعد والصرف..إلخ. ثم هذه العلامات الأسطوانية في النص الهيروغليفي والتي تحيط ببعض العلامات الهيروغليفية – والتي عرفناها فيما بعد باسم الخرطوش – ماذا تعني؟ 

 

لقد قرأ شامبليون النص اليوناني وفهم مضمونه وقرأ اسم الملك بطليموس، والواضح أنه سلك منهج الاعتماد على أسماء الأعلام غير القابلة كثيرا للتغير، وتحرك من فرضية أن هذا المرسوم الذي صدر في عهد الملك بطليموس الخامس عام 196قبل الميلاد لابد وأنه قد كتب إلى جانب اليونانية بخطين من خطوط اللغة الوطنية، ولابد أن اسم بطليموس باليونانية سوف يقابل في الخطين الهيروغليفي والديموطيقي، وفي ضوء خبرة شامبليون في الخطوط القديمة ودراسته للقبطية على اعتبار – ما اتضح له فيما بعد – أنها المرحلة الأخيرة من مراحل اللغة المصرية القديمة، وفي ظل إدراكه بأن الحروف الساكنة لأسماء الأعلام لا تتغير مهما تعددت اللغات التي كتبت بها، ففي العربية نجد أن اسماً مثل مجدي لا يمكن للحروف الثلاثة الأولى أن تسقط، وكذلك حسن، وإن خففت بعض الحروف أو انقلبت أو أبدلت، إلا أن الصعوبة سوف تتمثل في حروف الحركة التي تحدد نطق السواكن بالفتحة أو بالضمة أو بالكسرة. ولخلو اللغة المصرية القديمة من حروف الحركة يجيء الاختلاف في نطق السواكن، إلا أن القبطية التي ظهرت فيها حروف الحركة حسمت الأمر إلى حد كبير.    

تضمن حجر رشيد "خرطوشاً" واحداً تكرر ست مرات ضم اسم الملك بطليموس وهو الاسم الذي ورد على مسلة "فيلة" بالإضافة إلى اسم كليوباترا، سجل شامبليون العلامات الواردة في خرطوش بطليموس ورقمها وفعل نفس الشيء بالنسبة لخرطوش كليوباترا الوارد على مسلة فيلة نظراً لاشتراك الاسمين في القيمة الصوتية لبعض العلامات كالباء والتاء واللام.

وسجل نفس الاسمين باليونانية ورقم كل حرف منهما، وقابل العلامة الأولى من اسم بطليموس بالهيروغليفية وما يقابلها في اسمه باليونانية في إطار المنهج الذي أشرت إليه من قبل، والذي مؤداه أن الثوابت في أسماء الأعلام لا تتغير، وأمكن له أن يتعرف على القيمة الصوتية لبعض العلامات الهيروغليفية اعتمادًا على قيمتها الصوتية في اليونانية. وبمزيد من الدراسات المقارنة أمكن "شامبليون" أن يتعرف على القيمة الصوتية لكثير من العلامات، وفي عام 1822 أعلن شامبليون على العالم أنه تمكن من فك رموز اللغة المصرية القديمة، وأن بنية الكلمة في اللغة المصرية لا تقوم على أبجدية وإنما تقوم على علامات تعطي القيمة الصوتية لحرف واحد وأخرى لاثنين وثالثة لثلاثة، وأكد استخدام المخصصات في نهاية المفردات لتحديد معنى الكلمة.    

وهكذا وضع "شامبليون" اللبنات الأولى في صرح اللغة المصرية وجاء من بعده المئات من الباحثين الذين أسهموا في استكمال بناء هذا الصرح الشامخ. وبمعرفة اللغة المصرية القديمة بدأ الغموض ينجلي عن الحضارة المصرية وأخذ علم المصريات يشق طريقه بقوة بين العلوم الأخرى. 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق